ابن حجة الحموي

104

خزانة الأدب وغاية الأرب

لولا التقى لقلت جلت قدرته وقال في ذمه تبا له من خادع مماذق * أصفر ذي وجهين كالمنافق يبدو بوصفين لعين الرامق * زينة معشوق ولون عاشق وحبه عند ذوي الحقائق * يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق لولاه لم تقطع يمين سارق * ولا بدت مظلمة من فاسق ولا اشمأز باخل من طارق * ولا شكا الممطول مطل العائق ولا استعيذ من حسود راشق * وشر ما فيه من الخلائق أن ليس يغني عنك في المضائق * إلا إذا فر فرار الآبق واها لمن يقذفه من حالق * ومن إذا ناجاه نجوى الوامق قال له قول المحق الصادق * لا رأي في وصلك لي ففارق ومن المغايرة تفضيل القلم على السيف إذ المعتاد عكس ذلك كقول ابن الرومي إن يخدم القلم السيف الذي خضعت * له الرقاب ودانت خوفه الأمم فالموت والموت لا شيء يعادله * ما زال يتبع ما يجري به القلم كذا قضى الله في الأقلام إذ بريت * إن السيوف لها مذ أرهفت خدم وغاير المتنبي ذلك وقال حتى رجعت وأقلامي قوائل لي * المجد للسيف ليس المجد للقلم والمغايرة هنا مليحة لكن المعنى مأخوذ من قول أبي تمام السيف أصدق إنباء من الكتب والمعنى في قول أبي تمام أبلغ فإن ابن أبي الأصبع قال لم يرض أبو تمام أن يقول السيف أصدق إنباء من القلم حتى قال من الكتب التي لا تكتب إلا بالأقلام والدواة والقرطاس والكاتب المطلق اليد واللسان والجنان فالحظ الفرق بينه وبين كلام المتنبي انتهى كلام ابن أبي الأصبع وقد عن لي هنا أن أرفع للمتأخرين في التقديم رأيه ليعلم المنكر الفرق بين البداية والنهاية فإن الشيخ جمال الدين أظهر في المغايرة بين السيف والقلم ما صدق به قول القائل وإني وإن كنت الأخير زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوائل من ذلك قوله في رسالة المفاخرة بينهما والمغايرة في مدح كل واحد منهما وذمه فبرز القلم بإفصاحه ونشط لارتياحه ورقي من الأنامل على أعواده وقام خطيبا بمحاسنه في حلة مداده والتفت إلى السيف فقال بسم الله الرحمن الرحيم ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون الحمد لله الذي علم بالقلم وشرفه بالقسم وخط به ما قدر وقسم والذي قال جف القلم بما هو كائن وعلى آله وصحبه ذوي المجد المبين وكل مجد بائن صلاة واضحة السطور فائحة من أدراج الصدور ما نقلت صحف البحار غواديها وكتبت أقلام النور على مهارق الدياجي حكمة باريها أما بعد فإن القلم منار الدين والدنيا ونظام الشرف والعليا ومجاديح سحب الخير إذا احتاجت الهمم إلى السقيا ومفتاح باب اليمن المجرب إذا أعيا وسفير الملك المحجب وعذيق الملك المرجب وزمام أموره السائرة وقادمة أجنحته الطائرة ومطلق أرزاق عفاته المتواترة وأنملة الهدى المشيرة إلى ذخائر الدنيا والآخرة به رقم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل وسنة نبيه التي تهذب الخواطر الخواطل فبينه وبين من يفاخره الكتاب والسنة وحسبه ما جرى على يده الكريمة من منه وفي مراضي الدول عونة للشائدين ويعين الله في ليالي النفس تقلب وجهه في الساجدين إن نظمت فرائد العلوم فإنما هو سلكها وإن علت أسرة الكتب فإنما هو ملكها وإن رقمت برود البيان فإنما هو جلالها وإن تشعبت فنون الحكم فإنما هو أمانها ومآلها وإذا انقسمت أمور الممالك